فخر الدين الرازي

41

تفسير الرازي

بدر للمشركين ، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم التفات إلى الدنيا ، فلا تفرحوا باقبالها ولا تحزنوا بادبارها ، وهو المعنى بقوله : * ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ) * في واقعة أحد * ( ولا تفرحوا بما آتاكم ) * ( الحديد : 23 ) في واقعة بدر ، طعن القاضي في هذا الوجه وقال : إن غمهم يوم أحد انما كان من جهة استيلاء الكفار ، وذلك كفر ومعصية ، فكيف يضيفه الله إلى نفسه ؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة ، وهو أن لا يفرحوا باقبال الدنيا ولا يحزنوا بادبارها ، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير الله . الثالث : يجوز أن يكون الضمير في قوله * ( فأثابكم ) * يعود للرسول ، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه ، اغتموا لأجله ، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة ، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم ، فكان المراد من قوله * ( فأنابكم غما بغم ) * هو هذا ، أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله : * ( غما بغم ) * بمعنى " مع " أي غما مع غم ، أو غما على غم ، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض ، تقول : ما زلت به حتى فعل ، وما زلت معه حتى فعل ، وتقول : نزلت ببني فلان ، وعلى بني فلان . واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة : فأحدها : غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال . وثانيها : غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك ، وثالثها : غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية ، ورابعها : ما أرجف به من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم ، وخامسها : بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها ، وسادسها : غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم ، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام ، وذلك من أشق الأشياء ، لأن الانسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جباناً ، فإذا أمر بالمعاودة ، فان فعل خاف القتل ، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة ، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان ، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها : الوجه الأول : أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع ، والغم الثاني ما حصل عند الهزيمة . الوجه الثاني : ان الغم الأول ما حصل بسب فوت الغنائم ، والغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيما . الوجه الثالث : أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا